الخميس 02 أيلول/سبتمبر، 2010

مقالات


محمود درويش: المنفى وحركة المعنى في المحدّد

"صبرا- تغني نصفها المفقود بين البحر والحرب الأخيرة كم مرة ستسافرونْ والى متى ستسافرونْ ولأي حلم؟ وإذا رجعتم ذات يومْ فلأي منفى ترجعون؟ رحلوا وما قالوا شيئا عن العودة لا، ليس لي م

  المزيد
إدوارد سعيد: الرجل المتعدد و كبير المنفيين

  ... يقولون أن تتذكر شخصاً ما فكأنك تستحضره من القبر حيا، وعندما يتعلق الأمر بشخص مثل  إدوارد سعيد فإن الاستحضار هنا يتيح لنا المشي في مواكبه حياً و ميتاً.   ...إدوارد سعيد أو الرجل المتعد

  المزيد
الجسد والمكان في الفضاء المقدسي خلجات ثقافة المستعمَر من وحي فرانتز فانون

      قبل خمسين عاماً نُشرت وثائق سرية متعلقة بالثورة الجزائرية تضمنت خلجات فرانتز فانون حول العلاقات الاستعمارية إثر مرور خمس سنوات من الثورة الجزائرية. وقد جاء فيها تحليل سيكولوجية ا

  المزيد
المساعدات الدولية من اجل تنمية بشرية مستدامة لدول " العالم الثالث "

      قد يكون تبني شعارا يوتوبيا في لحظة ما.. هو الأكثر واقعية   قبل ما يزيد عن خمسين سنة تم الترويج لفكرة التنمية المستدامة والقائمة على الدعم الدولي الخارجي، حيث كان من اكبر مروجي تلك ا

  المزيد
الوضع القانوني للسكان الفلسطينيين في القدس

           عملت حكومات "إسرائيل" المتعاقبة منذ قيامها على جعل شعار "القدس عاصمة إسرائيل الأبدية" أمرا واقعا، لتكرس ألان على الأرض شعار "إسرائيل دولة يهودية عاصمتها القدس الموحدة" كمبدأ لأ

  المزيد
نظم المراقبة والعقاب الاحتلال الإسرائيلي أنموذجا

        إن المراقبة بحسب "ميشيل فوكو" تجعلنا نقف أمام استفزازات نصية ودلالية وواقعية كثيرة ، ذلك أنها تقوم على موضوع محظور، يشير من حيث الدلالة الى أفكار ممنوعة من الخروج إلى العلن

  المزيد
الخطاب الفكري للمنظمات غير الحكومية (إيصال النساء لمواقع القرار) كنموذج

    ليس هذا تحليلاً للخطاب بالمعنى المتعارف عليه في العلوم الاجتماعية والإنسانية (Discourse Analysis) فالمقالة هذه لا تتسع له أصلاً. ومع ذلك، فهو "تحليل ما" لبعض أبرز ما يتردد في خطاب المنظمات غير ال

  المزيد
حلم يتحقق.. المنتدى الاجتماعي التربوي العالمي في فلسطين

لطالما انتابنا نحن الفلسطينيون من خلال مشاركتنا في أعمال المنتديات الاجتماعية في العديد من البلدان، أمل ورغبة في تنظيم منتدى على أرضنا وفي بلدنا، هذا الأمل والرغبة التي ما إن بدأنا في نقاشها

  المزيد
العودة الى المفاوضات المباشرة.. استئناف الدوران في الساقية

   يجلب الدوران في الساقية الماء من  قعر البئر، فيشرب الجمل وصاحبه، أما في الحالة الفلسطينية فالوضع مختلف ، فعلى الرغم من كون الفلسطينيين هم من يدورون دونما كلل، إلا انه لا يبل لأي منهم

  المزيد
رسالة مركز المعلومات البديلة

   مركز المعلومات البديلة AIC هو منظمة فاعلة ذات توجهات أممية تقوم على مبدأ العمل المشترك الفلسطيني - الإسرائيلي - والمركز ينشط في مجال نشر المعلومات والمناصرة السياسية والنشاطات القاعدية

  المزيد
اختتام مخيم العمل التطوعي الثاني- بيت لحم

                                  انطلقت مساء الخميس الموافق 29-7-2010 فعاليات الحفل الختامي لمخيم العمل التطوعي الثاني، حيث ألقى السيد عدن

  المزيد

مختارات من المحرر


مختارات من المحرر
كان البيت جميلاً

كان البيت جميلاً...   كان بيت موسى العب   المزيد

مقدسيّو حيّ سلوان يخوضون معركة الحياة

مقدسيّو حيّ سلوان يخوضون...   فلسطينيو سلوان في   المزيد

فكر وثقافة


  ... يقولون أن تتذكر شخصاً ما فكأنك تستحضره من ال...

القدس


      قبل خمسين عاماً نُشرت وثائق سرية متعل...

مركز المعلومات البديلة

محمود درويش: المنفى وحركة المعنى في المحدّد

الخميس, 02 أيلول/سبتمبر 2010 16:34 نصار إبراهيم
طباعة PDF

Mahmod_Drweesh

"صبرا- تغني نصفها المفقود بين البحر والحرب الأخيرة

كم مرة ستسافرونْ

والى متى ستسافرونْ

ولأي حلم؟

وإذا رجعتم ذات يومْ

فلأي منفى ترجعون؟

رحلوا وما قالوا

شيئا عن العودة

لا، ليس لي منفى

لأقول: لي وطن

كل هذا الليل لي، والليل ملح

ويكون – بحر

ويكون – بر

ويكون – غيم

ويكون – دم

ويكون – ليل

ويكون – قتل

ويكون – سبت

تكون – صبرا.

صبرا – تقاطع شارعين على جسد

صبرا نزول الروح في حجر

وصبرا – لا أحد

صبرا – هوية عصرنا حتى الأبد."

(من مديح الظل العالي)

 

"لماذا تركت الحصان وحيدا؟

أجابه:

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها"

(لماذا تركت الحصان وحيدا)

 

 

"إن عدت وحدك، قل لنفسك:

غيّر المنفى ملامحه...

ألم يفجع أبو تمام قبلك

حين قابل نفسه

"لا أنتِ أنتِ

ولا الديار هي الديار"

(لا تعتذر عما فعلت)

شكل استهداف فلسطين، كجماعة ومكان وتاريخ وذاكرة، وما ترتب على ذلك من اقتلاع مادي ومعنوى، الإطار والسياقات التي تحكم حركة الإبداع الثقافي الفلسطيني بكل حقولها، بعد أن تحول الفلسطينيون إلى "مجتمع تاريخي من العذاب" (إدوارد، 1981) أصبح المبدع الفلسطيني في مواجهة قاهرة مع ضغط الأحداث المباشر وما تستدعيه من ردود فعل من جانب، ومعايير وشروط الإبداع التي عليها أن تتخطى قيود المباشر السياسي باتجاه كشف وصياغة العلاقات التي تحكم صيرورة الجماعة الفلسطينية في سياق تفاعل ثلاثية الماضي – الحاضر - المستقبل من جانب آخر. هكذا شكلت المأساة الفلسطينية المتواصلة بكل تفاعلاتها وتجلياتها الفضاء والحاضنة لتجربة محمود درويش الإبداعية، وبهذا المعنى فقد" جعل فلسطينيته عنوانا آخر للشعر وحولها إلى ملحمته وميتفيزياه وإشكاله الأنطولوجي" (بيضون، 2003).

 

تعامل محمود درويش مع مفردات المآسي والنكبات الفلسطينية وما رافقها من معاندة ومقاومات باعتبارها الطينة الطبيعية الأولى التي معها ومنها تتشكل الأبعاد الإبداعية لديه، كان دائما يعود إليها، يعيد قراءتها، يعيد تشكيلها، ليستخرج منها أبهى الصور والمفاهيم الجمالية، كانت هذه العملية، المضنية والممتعة في آن، تعيد صياغة وعيه لذاته وتجربته، وكأنه مع كل مرحلة إبداعية يولد من جديد، أو على حد قوله " هناك شعراء يولدون "بالتقسيط" وأنا من هؤلاء الشعراء. ولادتي لم تتم مرة واحدة" (درويش، السفير، 2003) ،

ستحاول هذه الورقة استكشاف جدل العلاقة بين المنفى كحالة فلسطينية وسياقات التحول في وعي محمود درويش وتحرك المعنى في إبداعاته الشعرية، وفي هذا الإطار سنتابع جدل المنفى والعودة، المنفى كواقع ملموس في المكان، وكحالة تفاعل اجتماعي وإنساني، ذلك أن عدم وعي هذه الخافية في ثقافة وملابسات اللجوء الفلسطيني، يجرد مفهومي المنفى والعودة من بعض أبعادهما الأكثر أهمية.

 

 

احتل محمود درويش ذلك المكان العالي في الوعي الفلسطيني والعربي والإنساني بكل جدارة باعتباره شاعر المقاومة بأبهى تجلياتها الإنسانية والأخلاقية والجمالية، لقد فرض نفسه من خلال ارتقائه وسيره الدائم عند خط المواجهة المتقدم دون أن يفقد لونه أو خصوصيته، ونجح في أن يحمل قضية شعبه إلى أقصى مكان في الكون وأن يقدم الشعب الفلسطيني بأجمل ما يكون، ورغم ذلك لم يهبط بالشعر إلى مستوى المباشر السياسي، بل ارتقى بالوعي السياسي إلى ذروة الشعر، وهو يرى بأن "المقياس الأيديولوجي قد انتفى تماما في علاقتنا بالنصوص الشعرية، ولهذا أصبحنا أكثر حرية في قراءة النص" (المصدر السابق).

لقد حلق محمود درويش بشعره في فضاءات الروح الفلسطينية الإنسانية الشاسعة، عشقا، حلما، أسى، فرحا، غضبا، وحنينا، من ركام المآسي يلتقط شظايا الجمال ويعيد تشكيله، وفي غمرة الفرح لم يفقد خيط الحزن، ماهر في مراقصة المتناقضات، اللغة نبض والنبض لغة، لا يذهب نحو المتخيل أو الافتراضي إلا بقدر ما يحيل ذلك إلى الواقع، غير أنه لم يحول شعره إلى مجرد بيان سياسي فهو دائما مسكون بالبحث عن الحرية سواء بمفهومها المادي أو ببعدها الإبداعي  "... يجب أن نصدق أن الشعر يستطيع أن يتحرر مما ليس منه، وما ليس منه هو الراهن القابل للتبدل السريع" ومع ذلك  فقد كان يرفض أن تفقد القصيدة موضوعها، معناها، بناءها، وعناصرها، فكل ذلك هو ما يشكل قوام أو جسد شعري واضح" (المصدر السابق).

حافظ محمود درويش على معايير احترامه لنصّه وذاته ولم يسقط في مصيدة النفاق والسذاجة التي تبحث عن المديح الهابط عبر هبوط النصّ، أو عبر التواطؤ المضمر مع رغبات القارىء البدائية وإخضاع النصّ لما يحب أن يسمع. وفي سياق هذا الإصرار نجح في بناء حالة من الجدل العميق التي استمرت تحكم حركة التفاعل ما بين النصّ والقارئ.

بهذا المعنى كانت الكتابة الإبداعية عند محمود درويش فعل وتفاعل شامل مع الذات، الواقع، الفضاء، اللغة، الوعي، المعنى، المحدد، الزمن، كانت دائما عملية تغري بالمشاكسة،  حالة خلق وولادة مستمرين، بقدر ما تبتعد عن الواقع كانت تحتفظ، وبكل أناقة،  بحبلها السُّري معه "لا شيء يأتي من بياض ...والقصيدة بلا موضوع لا تكون هشة فقط بل مشغولة بالتحديق بنفسها"(المصدر السابق).

نقرأ محمود درويش فتغمرنا بهجة المفاجأة وكأننا نكتشف ذاتنا وجمالنا لأول مرة، فهو يداعب الأوتارَ الأكثرَ حساسية ورهافة وعمقا فينا، والتي كدنا ننساها في غمرة المآسي والواقع الطاحن ومحاولات المقاومة. عندما نقرأ محمود أو نستمع إليه نستعيد بعضا من توازننا، نكتشف أننا أكثر قوة أو بطولة أو ضعفا مما نعتقد أو مما نحن عليه ومن كل ما تروج له ثرثرات السياسة، ذلك أن البطولة في شعره هي بطولة تلقائية شاملة، والضعف حالة إنسانية لها ذات القدرة على التأثير، " الشعر دائما حليف الخسائر الصغيرة والخيبات.... أعتقد أن صورة طفل يتفرج على جيش الاسكندر فيها شعر أكثر من جيش الاسكندر كله، أو أن العشب الذي ينبت على خوذ الجنود هو الشعر وليست الخوذ هي الشعر... "( المصدر السابق)، فالإنسان قوس قزح يشمل كل أطياف اللون، حيث يتباهى كل لون بجماله المطلق دون أن يلغي أو يغتصب ما عداه، بل يزداد بهاء بتناغمه وتفاعله مع بقية الطّيف، عبر هذه العلاقة تأخذ تفاصيل الواقع أبعادا جديدة وحضورا جماليا لا توفره النزعة الذاتية الضيقة.

ضمن هذه المقاربة يمكن القول أن محمود درويش هو شاعر الانضباط للسياقات، وفي ذات اللحظة صعلوك في التمرد عليها، يملك براعة فائقة الحيوية ومبهرة في إطلاق المعاني الجديدة في السياقات المحددة، مولع بإعادة اكتشاف المعاني في التباساتها ومراوغاتها الإنسانية في حركة الزمان والمكان، يذهب للنهايات ليعيد وعي البدايات، ويذهب للبدايات ليعيد صياغة النهايات، هو شاعر الاحتمالات المفتوحة، أو لنقل... شاعر النصّ المفاجئ، " الكلمة الواحدة تحمل معاني عدة وتكرارها وتغيير حركة واحدة فيها قد يخلقان معاني مضادة.. هذه الإمكانية تحرض أحيانا على رقص مجاني في القصيدة. جميل أن نرقص قليلا" ( المصدر السابق).

عبر هذه الجدلية المولعة في التجريب والاكتشاف احتل درويش، بتأن وإصرار، تلك المساحة المرموقة في الوجدان الفلسطيني وأصبح رافعة ثقافية ساهمت بكل نشاط وحيوية في صقل الوعي والذاكرة الفلسطينيين، وبرهن ببراعة أن الفعل الثقافي من الخطورة والحساسية بحيث لا يجوز تركه تحت رحمة الصدفة والعبث لثرثرات الهواة.

 

محمود درويش شاعر أدمن التوتر والقلق والرهبة أمام كل نص شعري، لأنه يتعامل مع واقع متوتر وقلق إلى أقصى الدرجات،  لم يقع في وهم الرضى عن الذات، رغم أنه كان مشبع بالاحترام، إنه دائم القلق من العلاقة التي تربط نصوصه بالناس، ولهذا كان نصّه قريبا منهم إلى درجة البوح، لكنه بوح راق في بنيته وجمالياته وأبعاده الموغلة في أقاصي الروح الإنسانية في لحظات بهجتها أوغضبها وألمها وتمردها الأزلي، هكذا حضرت الأبعاد الفلسطينية في أعماله دون أن يسقط في الرثائية المحبَطة، ودون أن يهبط بالقضية الفلسطينية إلى مجرد مطيّة للصعود، لم يجعل من الفلسطيني موضوعا للشفقة، بل تعامل مع فلسطين تاريخا ورمزية وشعبا وأرضا باعتبارها البيئة الطبيعية المتفاعلة مع الإبداع والمفتوحة على المطلق الإنساني، إنها حالة وعي في غناها وتشابكها يستحيل معها الفكاك.

 

لقد تفاعل محمود درويش مع حالة المنفى الفلسطيني ونقيضه حلم العودة باعتباره الفضاء أو المادة الأولية والمدخل نحو كشف الذات الفلسطينية كذات فاعلة ومتفاعلة، وليست مجرد موضوع للفعل، سواء في نكباتها أو مقاوماتها، لقد " صار الفقد هو المعطى الذي يحكم علاقة الفلسطينيين بموطنهم، وفي بنائهم لعلاقاتهم الجديدة مع مجالهم المفقود... وتدخلت قوة الخيال بكثافة في هذه العملية"( محمد نعيم،1996). ولهذا كان من الطبيعي أن يولّد المنفى الفلسطيني ثقافته النقيضة التي لا تقف حدودها عند حق العودة بالمعنى الستاتيكي، بل تذهب بعيدا نحو المستقبل وكأنها تعيد الخلق من جديد. لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلا..." ( درويش، السفير، 2003).

" ولنا بلاد لا حدود لها، كفكرتنا عن المجهول، ضيقة وواسعة.

بلاد... حين نمشي في خريطتها تضيق بنا" ( من قصيدة ولنا بلاد).

 

 

الجدل الذي ولدته حالة المنفى الفلسطيني خلقت إطارا نفسيا وثقافيا ألقى بكل تأثيراته على إبداعات محمود درويش الشعرية والنثرية. فالفلسطينيون" اتخذوا من الثقافة، وسيلة للتعبئة والمقاومة، وتأكيد الهوية تحت الاحتلال وفي المنافي ... وفي غمرة ذلك يتخلق وجه الثقافة الفلسطينية الجديدة، وتشييد ملامح المتخيل الجماعي عبر الكلمة، القصيدة، القصة، الرواية، اللوحة، الملصق، النشيد، الأغنية..." (محمد برادة، 1990). هكذا أخذت المعاني التي ولدت في سياق هذه المأساة تتحرك في وعي محمود درويش وإنتاجه الشعري لتأخذ مع الزمن واستمرار المأساة تجليات أدبية تذهب عميقا في وعيه الفردي وفي الوعي الجمعي عن الشعب الفلسطيني، لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلّا..." ( درويش، السفير، 2003).

 

هكذا تخطى مفهوم المنفى معنى الانتقال المباشر في المكان ليتحول إلى أبعاد نفسية وثقافية واجتماعية عميقة، هذا التحول أعاد بناء مفهوم العودة ليصبح إطارا وفضاء يعكس منظومة الأحلام الكبيرة والصغيرة للأفراد والجماعات، لقد أصبحت وظيفة المعنى في سياق واقع الاقتلاع  " بناء ملكوت مجرد ذهني فكري قيمي غير قابل للموت بموت الأشخاص ما دام قابلا للتوالد أو التجدد والامتداد، المعنى هو ما يشهره الإنسان في وجه الكوارث، فردية أو جمعية، وفي وجه العالم" (خالدة سعيد، 2008).

 

"لا ينظرون وراءهم ليودِّعوا منفى،
فإنَّ أمامهم منفى، لقد ألِفوا الطريق

الدائريَّ، فلا أمام ولا وراء، ولا

شمال ولا جنوب.

"لا تتذكروا من بعدنا

إلا الحياة".
(من قصيدة لا ينظرون وراءهم).

 

 

وبقدر ما كانت هذه العملية المتفاعلة تتحرك في الواقع فإنها كانت تنعكس في نصوص درويش، التي أخذت مع تقدم ونضوج التجربة، تعيد بناء المعنى والنصّ معا. وبهذا المعنى يقول " عندما كنت خارج الوطن كنت أعتقد أن الطريق سيؤدي إلى البيت وأن البيت أجمل من الطريق إلى البيت. ولكن عندما عدت إلى ما يسمى البيت... غيرت هذا القول وقلت: ما زال الطريق إلى البيت أجمل من البيت لأن الحلم ما زال أكثر جمالا وصفاء من الواقع الذي أسفر عنه هذا الحلم" (درويش، السفير، 2008)، وفي ذات السياق يتحرك مفهوم "الوطن" فهو في لحظة “..وطني ليس حقيبة" وفي لحظة أخرى ".. وطني حقيبة"، هذه الحركة الملتبسة والمتناقضة في إبداعات محمود تعكس مستوى الارتقاء والحيوية المذهلة للمعنى في النصّ الذي يبدو ثابتا، وهو ما يؤشر إلى ذلك الصراع والتحول الصاخب في تجربة محمود الإبداعية والعامل الأكثر حسما وراء نجاحه في الارتقاء بالنصّ الفلسطيني ليصبح نصّا إنسانيا عالميا بامتياز دون أن يتنازل مطلقا عن خصوصيته الفلسطينية، ف"المنفى هو الذي عمق مفهوم البيت والوطن، كون المنفى نقيضا لهما" ( المصدر السابق).

 

" لا وطن ولا منفى هي الكلمات،
بل ولع البياض بوصف زهر اللوز
لا ثلج ولا قطن فما هو في
تعاليه على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلف في كتابة مقطع
في وصف زهر اللوز، لانحسر الضباب
عن التلال، وقال شعب كامل:
هذا هوَ
هذا كلام نشيدنا الوطني!"( من قصيدة لوصف زهر اللوز).

 

 

إذن، المنفى والعودة، عند محمود درويش حالة تفاعل اجتماعي وإنساني في منتهى العمق، قد لا يدرك البعض أو الكثير، ربما، ثقل هذه الأبعاد في البنية الاجتماعية - النفسية للاجيء الفلسطيني، وبناء على ذلك تجري، عادة، مقاربة مواقف جموع اللاجئين وكأنها مجرد حالة إنفعالية، أو مجرد تعبير عن مواقف سياسية عقلانية أو لا عقلانية، "...كنت في السادسة من عمري حين خرجت الى ما لا أعرف، حين انتصر جيش حديث على الطفولة لم يكن يأتيها من جهة الغرب إلا رائحة البحر المالحة، وغروب شمس الذهب على حقول القمح والذرة. لم تتحول السيوف إلى محاريث إلا في وصايا الأنبياء. وانكسرت محاريثنا في الدفاع عن طمأنينة العلاقة الأبدية بين ريفيين طيبين وأرض لم يعرفوا غيرها ولم يولدوا خارجها، أمام حرب الغرباء المدججين بطائرات ودبابات وفرت لرواية حنينهم البعيد إلى "أرض الميعاد" شرعية القوة". ( المصدر السابق).

 

عدم وعي هذه الخافية في ثقافة وملابسات اللجوء الفلسطيني، يجرد مفهوم العودة من بعض أبعاده الأكثر أهمية، تلك الأبعاد التي ترى في العودة فعلا اجتماعيا وسياسيا وثقافيا ونفسيا وسلوكيا يرتقي بها إلى مستوى بناء المستقبل الذي هو على النقيض من كل ما يشكل المأساة الراهنة، سواء كان هذا النقيض بفعل الاحتلال أو بفعل الاختلالات الداخلية، وبكلمة أخرى العودة لا تعني فقط العودة للمكان، وإنما ترافقها صورة متخيلة وأحلام تمت مراكمتها في رحلة اللجوء الطويلة، أحلام تعيد صياغة مفهوم الوطن ومفهوم العلاقات، كما تؤسس لوطن هو على النقيض من كل الخيبات السياسية والاقتصادية التي شاهدها أو عايشها الفلسطيني عموما واللاجئ الفلسطيني في رحلة اغترابه على وجه الخصوص. بهذا المعنى انعكست ثقافة المنفى وأحلام العودة في إبداعات محمود درويش.

 

" أأنا هنالك ... أم هنا؟

في كلٍّ "أنت" أنا،

أنا أنت المخاطَب، ليس منفى

أن أكونك. ليس منفى أن تكون أناي أنت. وليس منفى

أن يكون البحر والصحراء

أغنية المسافر للمسافر:

لن أعود، كما ذهبت، ولن أعود ... ولو لماما!"

( من قصيدة قال المسافر للمسافر: لن نعود كما...)

 

منذ تلك الطفولة المبكرة، الطفولة التي كان من المفروض أن تمارس شقاوتها في المكان الطبيعي وفي سياق العلاقات الطبيعية، لتبني عبر صيرورة الزمان علاقاتها وذاكرتها الحميمة والخاصة مع تفاصيل مكانها، فتح محمود درويش عينيه على الواقع الفلسطيني المروع، وجد نفسه يكابد القهر المتراكم وهو يرى أحلامه المقتلعة من بيئتها وهي تسحق في غمرة المآسي الفلسطينية المتواصلة، ولهذا لم يكن ابن السادسة في "... حاجة إلى من يؤرخ له، ليعرف طريق المصائر الغامضة التي يفتحها هذا الليل الواسع الممتد من قرية على أحد تلال الجليل، إلى شمال يضيئه قمر بدوي معلق فوق الجبال: كان شعب بأسره يقتلع من خبزه الساخن، ومن حاضره الطازج ليزج به في ماض قادم. هناك … في جنوب لبنان، نصبت خيام سريعة العطب لنا. ومنذ الآن، ستتغير أسماؤنا. منذ الآن سنصير شيئا واحدا، بلا فروق. منذ الآن، سنُدمغ بختم واحد: لاجئون.

 

 

 

 

- ما اللاجئ يا أبي؟

- لا شيء، لا شيء لن تفهم.

- ما اللاجئ ياجدي، أريد أن أفهم.

- أن لا تكون طفلا منذ الآن!.." (المصدر السابق).

 

وكبر الطفل، أخذ يشاغل اللغة، غاص في زحمة التجربة، وبين حنين الطفولة وهول المأساة واتساع الأفق الثقافي وانفتاحه على أبعاده وعلاقاته الإنسانية تشكلت معالم الأحلام وحدود التجربة الشعرية، ولكن بقي المنفى بأثقاله وعلاقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية يهيمن على إبداعات محمود درويش، كان يرى نفسه دائما لصيقا بحالة شعبه، نكباته، مقاوماته، هزائمه، انتصاراته، مآسيه الكبيرة والصغيرة، أفراحه الصغيرة والكبيرة، يلملم شظايا الذاكرة ليعيد صياغة الوجود، صياغة الحلم المسافر كما تسافر رفوف الحمام ، وكم كان يتمنى أن يحط الحمام يوما فقط ليمارس حياته الطبيعية، ولكن الواقع كان هائلا في معانداته.

 

وفي هذا السياق يقول "...لم أعد طفلا، منذ صرت أميز بين الواقع والخيال، بين ما أنا فيه الآن وما كان قبل ساعات. لم أعد طفلا منذ أدركت أن مخيمات لبنان هي الواقع وأن فلسطين هي الخيال. لم أعد طفلا منذ مسني ناي الحنين. فكلما كبر القمر على أغصان الشجر حضرت فيّ رسائل مبهمة إلى: دار مربعة الشكل، تتوسطها توتة عالية، وحصان متوتر، وبرج حمام، وبئر. على سياجها قفير نحل يجرحني مذاق عسله، وطريقان معشوشبان إلى مدرسة وكنيسة، واسترسال يفيض عن لغتي…

هل سيطول هذا الأمر يا جدي؟

انها رحلة قصيرة. وعما قليل نعود."( المصدر السابق).

 

ومع ارتقاء محمود درويش في تجربتة الشعرية ارتقى جدل العلاقة بين المنفى والعودة، بين فلسطين ونقيضها، بين الخاص والعام، متابعة هذا الجدل الحي والخلاق تكشف روعة الإغناء الذي حملته أعمال محمود درويش، إلى الدرجة التي عندما يقرؤها أي لاجئ فلسطيني سيكتشف وسيرى ذاته بصورة لم يتعودها من قبل.

 

"علينا ، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر ، والحاضر ، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا .. والآخرة ْ" (من قصيدة عابرون)

 

بهذا  المعنى "..صارت فلسطين هي عكس ما عداها. وصارت هي الفردوس المفقود إلى حين…" (درويش، الكرمل، 1999).

 

تلك القدرة الإبداعية والموهبة الفذّة مكنت محمود درويش، بعد طول مكابدة، من تخطي المصائد التي يعج بها حقل العلاقة الذي يربط السياسة بالثقافة والإبداع، تخطى بإصرار تلك المصائد وبقي صاعدا في جماليات شعره دون أن يفقد لونه أو طعمه وخصوصيته، لم تبتلع السياسة وخطابها جمال شعره ولغته الشاسعة في مرونتها وقدرتها على الاستجابة لطموحاته وأحلامه وفضائه الإبداعي، كما لم يسقط في غربة المواضيع واللغة، "...أنا أنزعج من شيء واحد، أن تعرف بطاقتي الشعرية بالبعد السياسي... نحن نعيش في مناطق متوترة ومتأزمة أصبحنا فيها رقباء على أنفسنا، فكثرة التعامل مع الرقابة والإدمان عليها قد تحول الشخص إلى رقيب على نفسه، لكن في الشعر يبدو أن الإحساس بوجود رقيب قد يطور جماليات الشعر، وأنا في رأيي إن أي قصيدة يفهمها الرقيب ويمنعها يكون العيب في القصيدة وليس في الرقيب، على القصيدة أن تكون أذكى وأكثر جمالية وحرية، ملتبسة على فهم الرقيب المباشر لها، فالشعر الجميل والشعر الحقيقي هو الذي يعتمد على حركة المعنى وليس المحدد، والذي يتناول الأشياء تناولا غير مباشر، يستعصي على الرقيب، وربما يحبب الرقيب بالعمل"، ( درويش، الفضائية اللبنانية، 1997)، والرقيب هنا لا يقتصر على البعد الأمني بل يتخطاه إلى مستوى الخضوع لرقابة السياسي على الثقافي الأمر الذي يجرد الأخير من كل خيارات التجريب والإبداع والنقد الذي يشمل أيضا تعاسات السياسة.

 

بهذا الوعي حاور محمود درويش تجربته الشعرية كما حاور أبعاد المأساة الفلسطينية واستطاع أن يرتقي بإبداعاته الشعرية إلى مصاف عمالقة الشعر العالمي، لوركا، ماياكوفسكي، ناظم حكمت، بابلو نيرودا، يانيس ريتسوس... هذا الطراز من المبدعيين الذين ارتقوا بقضايا شعوبهم ، بمآسيها ومقاوماتها على المستوى الثقافي والإبداعي  ليجعلوا منها معالم في رحلة الإبداع الإنساني، ولم يكن هذا ممكنا لو تم الهبوط بمعايير الإبداع لتبقى محصورة في أسئلة الوعي المباشر والسطحي.

 

بقي محمود درويش طيلة تجربته الإبداعية يحاول الإجابة على سؤال العلاقة بي طموحاته كشاعر وبين انتمائه العميق لشعب وقضية وأمة، "...الشعر حالة، والشاعر يتغير ويغير نفسه، يتعذب ويفرح، فصورة الشاعر عند العرب بشكل خاص ما زالت منزهة عن أي سلوك يؤذيها، هذا هو خوفي من الشعر، أما خوفي على الشعر فهو خوف من نضوب الشعر، فنحن الشعراء داخلون في مخاطرة لا ضمانات على الاستمرارية، ولا ضمانات للنجاح، وأنا أتحدث عن نفسي فأقول إنني في كل مرة أكتب فيها قصيدة، أذهب للكتابة كأنني أتعلم كتابة الشعر لأول مرة، وفي كل مرة اعتبر نفسي أنني أكتب القصة الأخيرة، إذن هناك دائما توتر وقلق وصراع مع المجهول، ومع طاقة غير مسيطر عليها، إذن هناك مغامرة دائمة، وخوف دائم من الشعر وعليه.." (محمود درويش، الفضائية اللبنانية، 1997).

ما تقدم يحيل إلى رؤية وفلسفة محمود درويش للعلاقة التي تربط الشعر، أو أي شكل من أشكال الإبداع، وأي مثقف بالتحديات التي تواجه أي شعب، ويزداد التحدي ويصبح أكثر تعقيدا في الحالة الفلسطينية حيث المأساة المتواصلة والاقتلاع والإلغاء والاحتلال الذي يحاول الاستيلاء على المكان والتاريخ والذاكرة، في غمرة هذا الصراع الطاحن والدامي نمت تجربة محمود الشعرية في قلب المواجهة والخيارات المحدودة للغاية، إذ أن  الصراع بأبعاده المختلفة لا يترك للمبدع الفلسطيني أي هامش للمناورة، لقد شكل هذا الواقع التحدي الأبرز أمام المثقف الفلسطيني، الأمر الذي انعكس في السؤال التالي: كيف يستطيع المبدع أن يحافظ على معايير الإبداع الأدبي ويتفاعل مع جماليات الإبداع وتطوير أدواته وفي ذات الوقت أن يحافظ على انتمائه لشعبه وقضيتة ؟

 

أخطر معضلة واجهها المبدع الفلسطيني تمثلت في محاولة تحويله إلى مجرد أداة سياسية مباشرة، أي تحويل الشاعر إلى مجرد كاتب شعارات، المشكلة ليست حول أهمية الشعار كفعل شعبي مقاوم، المشكلة تكمن في الهبوط بالشعر إلى هذا المستوى بينما المطلوب من الشعر أن يرتقي بقدرته في التعبير عن روح وتجربة ومقاومة الشعب وهمومه وآلامه وأحلامه بأرقى شكل ومضمون أدبي وإنساني.

 

بهذا المعنى تمكن محمود درويش من تخطي قيود السياسة المباشرة واستطاع التعبير عن التجربة الفلسطينية بأعلى درجات الجمال الفني، لقد كشفت أعماله تلك الجوانب العميقة في الإنسان والمأساة والبطولة الفلسطينية وحول كل ذلك في نصوصه إلى قيم إنسانية عالمية، ولهذا فإن كل فلسطيني مهما كان مستوى وعيه أو تعليمه أو دوره يجد لنفسه أو جزء منها زاوية خاصة في شعر محمود درويش، لقد ساعد شعره الانسان الفلسطيني العادي المعذب والمقاوم على أن يكتشف بطولته الخاصة، جماله الخاص، من هنا ندرك عمق الوعي وأهمية الدور الثقافي الذي لعبته وستلعبه أعمال درويش في تكوين المشهد الثقافي الفلسطيني المقاوم للظلم والقهر، وهذا بالضبط ما يلمسه أي إنسان مقهور على وجه الأرض وهو يقرأ أعمال هذا الشاعر الإنساني الكبير الذي كشف البعد الإنساني والأخلاقي لمأساة ومقاومة الشعب الفلسطيني، بحيث بات كل مناضل من أجل الحرية والعدالة يجد نفسه في صلب هذه التجربة، " ... لم يعد اي شئ شخصيا من فرط ما يحيل إلى العالم، ولم يعد أي شئ عاما من فرط ما يسمى شخصي".

 

في سياق هذا الجدل العالي المستوى، في وعي وتجربة محمود درويش، تشتبك العلاقات والمفاهيم، ولهذا نراه يبدي خوفه الدائم ".. أخاف من شعري أنه قد يغريني  بالعثور على تعويض عما هو خارج الشعر، وقد يؤسس لي عالمي المتخيل الذي تمكنت من بنائه وفقا لقائمة متطلباتي ورغباتي وحريتي، وبالتالي قد يصبح البحث عن الشعر ذا نزعة غير إنسانية أحيانا بمعنى أن هناك شعر ضميري، كيف نحول هذا الضمير إلى جماليات، هذا سؤال أخلاقي مطروح أمام كل شاعر".( قناة LBC، 1997).

 

نجح محمود درويش في مواجهة هذا السؤال أو التحدي الهائل، أن لا يستعيض عن الواقع الفعلي بواقع افتراضي، ف" الشعر الكبير لا بد من أن يخترقه فهم ما أو رؤية ما للكون والوجود، وهو ليس تعبيرا عن هموم شخصية وخاصة... نصّي الشعري محمول دائما على أرض وتاريخ، .. فاللغة تبدأ من الأرض" ( درويش، السفير، 2003)، فهو في كل أعماله يحاور الواقع يعود إليه، بل إن المضمون والأسئلة الاجتماعية في شعره تكاد لا تخرج عن دائرة ما يشغل الوعي الفلسطيني العام، فلا يكاد يطير محلقا  حتى يعود ليحط على أغصان الشجرة الفلسطينية بكل ما لها وما عليها، ولكن في إطار الانضباط لمعايير الارتقاء والتجريب الإبداعي الذي يحاول دائما أن يكشف في ذات الشيء وذات الواقع نقيضه وجماله، فكلنا يعرف زهر اللوز، ولكننا حتما سنراه بصور جديدة بعد عبارة "كزهر اللوز أو أبعد" وأعتقد أن آلاف القصائد كتبت عن العلاقة مع الأم، ولكن كم سنحس بالإبهار والرهافة والحنين ونحن نقرأ:

"والتفتوا إلى أمي لتشهد أنني هو...

فاستعدت للغناء على طريقتها:

أنا الأم التي ولدته،

لكن الريح هي التي ربته.

قلت لآخري: لا تعتذر إلا لأمك!"  (لا تعتذر عما فعلت،ص. 26)

بهذا المعنى العميق والمتحرك نجد دائما خافية محمود درويش التي تغذيه بكل ما هو جميل في واقع يحتدم بالصراعات، هكذا استطاع هذا الشاعر الكبير أن يساهم في إعادة صياغة وعينا لذاتنا وفهمنا لأبعاد واقعنا، بما في ذلك وعينا للعلاقة التي تربط ثقافة المنفى بثقافة العودة، جدل المنفى الداخلي مع المنفى الخارجي، جدل العلاقات والمفاهيم بين ما كان وما هو كائن وما سيكون، الأمر الذي يؤسس لوعي يفعل ويتحرك باتجاه المستقبل الجميل، "كنت أدرك أن انسلاخ الأسطورة عن الواقع ما زال في حاجة إلى مزيد من الماضي، وأن تحرر الواقع من الأسطورة ما زال في حاجة  إلى المستقبل. وأما الحاضر فلم يكن أكثر من زيارة يعود الزائر بعدها إلى توازنه الصعب بين منفى لا بد منه وبين وطن لا بد منه"( الكرمل،1999).

 

ولهذا بالضبط كان درويش يدفع في كتاباته وأحاديثه نحو رؤية نقدية للاختلالات في السلوك الذي كان يحكم الأداء والممارسة الفلسطينية، وبالرغم من أنه لم يكن متطرفا بالمعنى السياسي إلا أنه كان صارما حيال كل سلوك سياسي يمسّ جوهر الوعي الفلسطيني مثل التطبيع مع دولة إسرائيل، التي على حد قوله "لم تفهم من التسوية غير ما يوفر لها القدرة على أن تنجز، في مناخ السلام الكاذب، ما لم تنجزه في مناخ الحرب، من هيمنة إقليمية، ومن راحة استفراد بالشعب الفلسطيني المحاصر" (جريدة الدستور الأردنية، 2002)،  أو المساومة على حق العودة لجموع اللاجئين الفلسطينيين، ذلك أن أحد ركائز إبداعه الشعري يكمن في الدفاع عن وعي الفلسطيني لذاته وحقوقه بكل أبعادها، فكيف سيتحقق ذلك إذا ما بقي أكثر من نصف هذا الشعب يشعر بالغربة والاقتلاع والقهر، لهذا يرى محمود درويش أن الفلسطينيون "قد استنفذوا كل رصيدهم في المرونة حول نفسها، ودفعوا ثمنا أعلى مما تستحقه تسوية لا تتجاوز الاعتراف بحقنا في إقامة دولة مستقلة على عشرين بالمئة من أرض وطننا التاريخي، دون أن يبدي الجانب الإسرائيلي أي استعداد للإنسحاب من متر واحد من مساحة أسطورته عن ذاته وعن التاريخ، التي تعتبر وجودنا التاريخي في بلادنا وجودا احتلاليا غريبا على "أرض اليهود الأزلية - الأبدية"، الخالية منا ومن التاريخ معا"( المصدر السابق).

 

الآن، وبعد رحيل محمود درويش، وفي إطار الحفاظ على الاحترام لجدلية العلاقة بين القارىء والنصّ الإبداعي لمحمود درويش، أعيد التذكير من خطورة السقوط اللاواعي في مصيدة تقديس النصّ الأمر الذي سيودي به إلى الجمود والعودة إلى دائرة المحدد، وهو ما حذر منه درويش دائما في سياق إصراره على محورية "حركة المعنى وليس المحدد" في أعماله، وهو ما يفتح المدى أمام القارىء على إعادة إنتاج النصّ وإعادة إنتاج المعنى، الأمر الذي يحفظ للنصّ الإبداعي وظيفته ودوره كقوة تثير الأسئلة وتغري بإعادة اكتشاف ما هو مكتشف، ولكن بصورة جديدة وأبعاد جديدة تواصل الحوار مع البديهيات ومع الواقع المطلق في حركته الأزلية. فجوهر تجربة محمود الإبداعية لم يكن يوما الوصول لأجوبة نهائية، بل أن نتعلم بالأساس كيف نواصل استفزاز الأسئلة التي يستحيل بدونها بناء الأحلام الكبيرة والصغيرة، التي نواصل الاحتفاء معها بمواسم الرّحيل نحو مستقبل أجمل.

 

 

"كم تبقى من طريقك؟
-كله
-هل كله يكفي لكي يصل المسافر؟
-لا. ولكني أرى نسراً خرافياً
يحلق فوقنا... وعلى ارتفاع منخفض!" (من قصيدة نسر على ارتفاع منخفض)

 

 

المراجع:

-          إدوارد سعيد، تأملات في المنفى، م,س.13.

-          عباس بيضون، 12 – 11 – 2003، حوار مع محمود درويش، جريدة "السفير" اللبنانية.

-          محمود، درويش، 12 – 11 -  2003، جريدة السفير اللبنانية.

-          محمد نعيم فرحات،1996، سوسيولوجيا المنفى الفلسطيني، أطروحة دكتوراة، جامعة تونس الأولى للفنون والآداب والعلوم الإنسانية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم علم الاجتماع.

-          محمود، درويش، صيف 1999،المنفى المتدرج، فصلية  الكرمل، عدد60.

-          محمد برادة، فلسطين والسؤال الثقافي العربي،فصلية بيادر، عدد 2، دائرة الثقافة م.ت.ف، ربيع1990،ص.35-36.

-          خالدة سعيد، 2008، "أردناه معنى وها هو بالمعنى يتحد"، سنكون يوما ما نريد، إصدار وزارة الثقافة  في السلطة الفلسطينية،ص. 189).

-          محمود درويش، مقابلة مع الفضائية اللبنانية LBC ، 1997.

-          محمود درويش، 2002، مقابلة مع جريدة الدستور الأردنية.

 

 

-          قصائد محمود درويش:

  • مديح الظل العالي.
  • لماذا تركت الحصان وحيدا.
  • لا تعتذر عما فعلت.
  • لا ينظرون وراءهم.
  • لوصف زهر اللوز.
  • عابرون.
  • نسر على ارتفاع منخفض.

 

 

 

إدوارد سعيد: الرجل المتعدد و كبير المنفيين

الخميس, 02 أيلول/سبتمبر 2010 16:17 محمد فرحات
طباعة PDF

 

EDWARD_SAEED.JPG

... يقولون أن تتذكر شخصاً ما فكأنك تستحضره من القبر حيا، وعندما يتعلق الأمر بشخص مثل  إدوارد سعيد فإن الاستحضار هنا يتيح لنا المشي في مواكبه حياً و ميتاً.

 

...إدوارد سعيد أو الرجل المتعدد كما تقول شواهد السيرة والأثر معاً، لطالما أرهقنا على نحو خلاق ونحن نحاول مجاراة تعدده واتساعه وامتداداته الخصبة، كما أفصح عنها في الفكر والسياسة والعواطف والشجن، لقد كان منفياً "يرى أكثر مما يجب". ومعه كنا نجد أنفسنا دائماً إزاء شخص ممتليء في كل الدروب التي قطعها أو اختطها لنفسه:- بين الأمكنة والثقافات والتخوم والأسئلة والأدوار والإشكاليات، وكانت دروبا عاش فيها ادوارد سعيد المنفي: كواقعة وكشعور وكانفعال وكانتماء أصيل وخلاق ومرهف ومنفتح على كل أفق.


..  ولم يكن المنــفى في تـجربة إدوارد سعيد مجـالاً للتـلاشي والانسـحاق، رغم "أن المنفى كالموت وإن أعوزته رحمة الموت النهائية " كما قال ذات يوم، لقد كان المنفى في تجربتهِ ورؤيتهِ مصدراً للفاعلية وإبداع الحضور والقدرة والمقاومة.  ورغم تورط إدوارد سعيد في الجوانب الأكثر إثارة للشجن والمأساة في المنفى " وكآباته التي لا تطاق " إلا أنه استحضر المنفى "كشرط يجب أن يحتمل، بغية إعادة الحياة لمكانة أدل وأعمق" كما تطرق لمتع المنفى مثل "الاندهاش ورؤية الأمور التي لا يراها في العادة من لم يسافر خلف التقاليد المريحة" كما أن المنفى يمكن أن يكون "حقلاً كريماً في منح الفرص">


 على أن رؤية إدوارد سعيد للمنفى في أبعاده المتعددة، سواء: المبدعة أو المدمرة، الكريمة أو البشعة، المأساوية أو البناءة،  لهي رؤية تفيض برهافة عاطفية وفكرية متميزة،.  فيما استبطانه للمنفى بالذات يقوم في صلب دفاعه الحاشد والصارم عن الشرق كما هو، أو كما يفترض أن يُرىَ، مقابل الشرق المتخيل والمبني على نحو منحرف ومشوه في وعي الغرب، وكذلك في دفاعه عن الإسلام وعن العرب وعن الفلسطينيين وعن فلسطين، لقد كان دفاعاً عن صورة جرى نفيها وإحلال صورة أخرى محلها. وفي هذه السياقات المتعددة مارس إدوارد سعيد انزلاقاته الرشيقة بين الذاتي والموضوعي، وما بين ما هو خصوصي وما هو عام، دون التباسات تشوه الرؤية أو تلحق الأذى بالموقف، وربما لا يصلح قول جورج بلانديه "عن وجودنا في أعمالنا في الوقت الذي نشعر بأننا أبعد ما نكون" مثلما يصلح في هذه الآونة لإدوارد سعيد.


 لقد كان موت إدوارد سعيد النحيل الصارم، وصاحب الرؤيات الأصلية لأكثر القضايا الفكرية والإنسانية عمقاً وتركيباً اختتاماً مفجعا لحركة تجسدت في شخص، حارب من أجل الحقيقة بلا هوادة أو تردد في أعقد ساحات الصراع، وكان مقاومة بأكملها، ضد النفي وضد الرداءة وضد التعدي على القيم وعلى حقوق الناس والجماعات والأمم، وضد ضلال الدول والثقافات والإيديولوجيات الغاشمة والسياسات المنحطة والممارسات البائسة والأباطرة الأغبياء (الذين لا رب لهم في قلوبهم) في الغرب أو في الشرق وفي كل مكان وزمان قائم أو محتمل.  لقد حوّل إدوارد سعيد الوقوف في وجه الانحطاط والاعتداء والظلم والذل والعار والجبن والخطأ والخيبة، وكل أصناف الطغيان وأنواع الطغاة إلى ثقافة نادى بها جموع الناس.

 

...يقول جان جينيه " لا يدين البطل لحجم الغزوات بمقدار ما يدين لحجم التكريم" وفي هذا النحو يبدو إدوارد سعيد كبطل ومحارب حقيقي يجر تاريخاً من التكريم حياً وحاضراً، تاريخ  يتواصل ميتاً وغائباً مثلما يليق بالأبطال.  وفي موت بعض الأشخاص تكمن عظمة ما.  حيث لا يعود الناس من مراسم إيداعهم الثرى، في عهده الأبدية والسماء كي تحزن لأجل فقدهم، بل تعود لأريج ذاكرة قادمة فوق ذاكرتهم التي ملؤا بها الدنيا وشغلوا بها الناس، وهنا يصبح الغياب الأبدي أفقاً ممتداً لحضور قادم، بصورة تجعل الميت حياً في الذاكرة على الدوام، إن هذا المعنى الذي يعطيه إدوارد سعيد للموت لا يتوفر لنا ببساطة وسهولة في كل يوم ومع كل موت.  وفقط موت بعض الأشخاص هو الذي يجعل معنى الموت منشودا.

 

 وأما العرب والفلسطينيون منهم على نحو خاص، فعليهم أن يفخروا من وسط عذاباتهم وإحساسهم العميق بالفجيعة والفقد، وخوفهم من هزيع يطوي كبارهم أيضا، لأنهم قدموا للعالم قامة هائلة بحجم إدوارد سعيد، وأما المنفى الذي لازال" هنا وهناك فلم يذهب سدىً أبداً " بدليل إدوارد سعيد ومعانية التي ستظل حاضرة ابدا.

 

 

 

حول إشكالية تحالف التلقيني والمدني في الواقع التربوي في فلسطين

الثلاثاء, 27 تموز/يوليو 2010 17:26 اسماعيل الناشف
طباعة PDF

 

 

Ismaeel_Al_Nashif_2

 

  أود بدءاً أن أطرح مداخلتي بشيء من البساطة النقيضة لما يراه البعض كبديهيات . إن مقولة التربية المدنية تقف، مباشرة أو بشكل إلتوائي، على فرضيتين إحداهما تقريرية وأخرى نافية .

 

الأولى: أن هنالك مجتمعا مدنيا ما، وككل مجتمع حديث له أجهزة تربوية نصفها بالمدنية ونريد تطويرها.


الثانية: أن التربية المدنية تناقض التربية المحافظة التي كانت في غالبها في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية تربية دينية كونها جزء من ماض ولى فهي غير ملائمة لنا ويجب استبدالها. أنا لا أتفق مع هذه المقولات ولعدة أسباب سأطرح بعضها ومن ثم سأحاول تحديد مدخل آخر بناءاً على نقد هذه البديهيات المتداولة .


أولاً: المجتمع المدني هو ذلك الحيز الاجتماعي بين الدولة القومية والعائلة المبنية على علاقات الدم حيث يشمل مجمل الممارسات الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية، والعلاقات بين الأفراد وبينهم وبين المؤسسات الرسمية والشعبية على السواء. هذه البنية الوسيطة بين العائلة والدولة مشروطة بتاريخ أروربا الحديث وخصوصاً فترة صعود البرجوازية وما رافقها من تكوين الحيز العام في المدن الصناعية. أما بالنسبة للموقف الرافض والنافي  للماضي والأرث العربي الإسلامي فهو لا يتعدى الجهل بالتراث مخلوطاً بنوع من الاستشراق المحلي الهزيل .


  في كلا الحالتين أرى أن ممارسة هذه المقولات تؤدي إلى نوع من العوائق الإبستمولوجية . حيث أن فلسطين فيها مجتمع ودولة إستعمارية ، على اختلاف طبعاتها ووسطائها المتعددين ، ولذلك لا يجوز فرض مقولة المدني الأوروبي هنا . أما نفي التراكم التاريخي العربي الإسلامي في وعي الناس عامة فهذا يؤدي إلى نوع من التفكير بالتمني معكوساً . للوهلة الأولى يعيدنا هذا النقد لنقطة البداية . لا بأس إذا كانت البداية هي الواقع المعاش حقيقة .


  يقول المفكر الألماني والتر بنيامين واصفاً الإنتاج الفني في زمن الهزيمة/الإنهيار في مجتمعه بأنه بالأساس  يتميز بنوع من الرغبة لإنتاج فن ولكنه حقيقة لا ينتج فنا أصيلا بسبب الشرط التاريخي الذي يميز ما يمكن تسميته بالحالة الإنتقالية . وبرأيي ، هذه المقولة تنطبق إلى حد بعيد على مستويات الإنتاج الثقافي ، ومن ضمنها التربوية بالطبع ، في فلسطين . إذ لا نبالغ في القول عند وصف الحالة القائمة بأنها واقع مهزوم في زمن عربي عام من الهزيمة والتبعية. إن أي تصفح عشوائي لكتاب أو مقالة ما ، في أي مجال ثقافي أو فكري ، تظهر لنا بأن الغالبية لديها هذا الرغبة لخلق فضاء فكري جديد . أذكر على سبيل المثال لا الحصر كتاب زكريا محمد " في قضايا الثقافة الفلسطينية" الصادر عن مواطن 2002 وكتاب عزمي بشارة " طروحات عن النهضة المعاقة" ، مواطن 2003 ، وكتاب عادل سمارة الأخير "مثقفون في خدمة الآخر " دار المشرق ، 2003 . من هذا المنطلق فإن فلسطين ليست بحالة خارج التاريخ وإنما من الممكن ، بل من واجب النزاهة الفكرية ، فهمها تاريخياً . إحدى المداخل لهذا الفهم النقدي التاريخي هو مقاطعة الثابت في المجال التربوي مع المستجد في المستويات الثقافية التي لها علاقات مباشرة في إنتاج وتوزيع واستهلاك المعرفة عامة. وأرى أن الثابت في التربية بمواقعها المختلفة هو منظومة العلاقات التي أصطلح عليها العقل التلقيني. أما المستجد ثقافياً فهو علاقات التهجين في الطور الأخير من الرأسمالية أي العولمة . وبناءاً على ذلك سأحاول وصف كل منهما ومن ثمة مقاطعتهما لتبيان مآل العقل التلقيني وإمكانيات تجاوزه .

 

سطوة العقل التلقيني

 

  مكانة العقل التلقيني وسطوته في مختلف مناحي الحياة التربوية الفلسطينية، من المراحل الأساسية وحتى التعليم العالي الجامعي، حقيقة لا يختلف عليها اثنان.  تكمن المشكلة في مبان اجتماعية أوسع وأعمق وأشمل من المؤسسات التربوية ، ولكن دعونا نرى تجليات هذا العقل في التربية وذلك لسهولة تمييز هذا المجال عن غيره ، من جهة ، ولكونه تعبيراعن وتجلي للأزمة الأعمق في ذات الوقت ، من جهة أخرى . والسؤال ما هي آفاق هذا العقل ، حتى وإن لم تتغير بنيته التحتية التي أفرزته ، في زمن التهجين الثقافي ، أو ما اصطلح عليه بالعولمة ، الذي بالضرورة ــ النابعة من صيرورته ــ ينفي مفهوم التلقين وقرينه الإستظهار ؟


  إن أهم ما يميز التلقين هو شكله حيث ينبني داخل منظومة من علاقات قوى تتحدد خارج ذوات الأفراد الذين يعملون منصاعين لها . فنرى مجموعة من الأقنعة الاجتماعية التي تموضع حاملها في تراتبية العلاقات في المؤسسة التربوية أو الاجتماعية عامة.  لحظة اكتساب، بغض النظر عن طريقة اكتسابه أو ما يعني الاكتساب بالضرورة، هذا القناع أو اللقب تنسب مجموعة من القيم الرمزية إلى الذات حاملة القناع/اللقب وتشرع سلطوية هذه الذات على الأقل ضمن حدود القناع وعلى الأغلب خارج هذه الحدود أيضاً .


  فيدخل الأستاذ إلى معبده، قاعة المحاضرات، ويبدأ الكل بالإصغاء .  تنطلق من فمه الأفكار والقيم التي كانت هاجعة داخل رأسه وتقدم كمعلومات تقريرية وحقائق نهائية حول العالم والمجتمع. ومن المفروض أن تمر هذه المعلومات بقناة شفافة ، لا تبدل ولا تحول طبيعة المعلومات ، تبدأ من فم الأستاذ لتنتهي بأذن الطالب الذي بدوره يدخلها إلى مهجعها الخاص به لحين الإستظهار القادم . بعد إكتمال كمية معينة ، وغالباً ما تحدد بطريقة عشوائية ، يأتي دور الطالب المستظهر . والإستظهار يقيٌم حسب معايير معينة تفحص مدى مطابقة محتويات الوعاء الثاني ، أي الطالب ، لمحتويات الوعاء السلطوي ، أي الأستاذ . ومن ثم يتم إعطاء مفهوم كمي ما لهذه الدرجة أو تلك من المطابقة . فإن كان الطالب يحذو حذو المحاضر ويقلده فهذا جيد بل ممتاز وإن كان الطالب يميل أو ينحو منحى آخر بطريقة تعامله مع معلومات الأستاذ/النص فالويل له. إذ أن العقاب له سلم هو الآخر.

  لا أحد يسأل الأستاذ . لا أحد يتساءل حول القناع . لحظة إحكام القناع حول الوجه الاجتماعي تعني من جملة ما تعنيه أن المعرفة المكتسبة تعادل قيمتها ذهباً أو تصبح من الذهب بحيث تحافظ على قيمتها مع مرور الزمن وتقلب الأحوال . ولكن كما نعلم فإن الأفكار التي يحملها الأستاذ أو أي فرد آخر، ناهيك عن القيم المجتمعية والثقافية، مشروطة بالكثير من العوامل .  أبسط هذه الشروط وأكثرها مباشرة: في أي جامعة درس ؟ وعلى يد من تتلمذ ؟ موقعه الطبقي ؟ جنسه ؟ رؤيته للعالم من حوله ؟ وهذه على سبيل المثال لا الحصر . قد تتقزم هذه الشروط إذا أخذنا بالحسبان طبيعة المعرفة بحد ذاتها ، إذ أن كل ظاهرة إنسانية قابلة للتفسير من جوانب مختلفة بل ومتناقضة .  هذا لا يعني أن هذه المعرفة خطأ أم صواب ، بل بالأحرى يشير ويدل على محدوديتها وكيفية إنبنائها داخل محاور ظروفها التاريخية . إن حالة تجميد وتصنيم منظومة معرفية ما ، بغض النظر عن طبيعتها ، يعود بالأساس لمحاولات حسم صراعات القوى داخل المجتمع . في حالة المؤسسة التربوية ، والتي يمكننا اعتبارها جزء من الميكانزمات الأيدولوجية التي تستخدمها الدولة الحديثة لبسط هيمنتها على المجتمع ، فإن الجامعة أو المدرسة كمؤسسات رسمية واضحة ومحددة التراتبية في هيكليتها يكون فيها تجميد وتصنيم منظومة معرفية ما أسهل وأقل كلفة للقائمين على هذه المؤسسات. هذا ما يحصل الآن في الجامعات الفلسطينية، ناهيك عن المدارس في مراحلها المختلفة.  فالمشهد الذي يقوم به الأستاذ بإلقاء محاضرة ما ، إن كانت نظرية أم تطبيقية ،  تعيد إلى الأذهان ما درسه المحاضر منذ عشرات السنين وكأن الزمن الإنتاجي توقف في لحظة تسلمه القناع/اللقب . ولكنه يبقى "أل"  أستاذ . هذا المأزق ، بالرغم من كارثيته ، لا يحكي  إلا جانب واحد من قصة العقل التلقيني، وبرأيي ليس الأهم بالضرورة .

 

 

 

الأخلاق الأبدية والعقل التلقيني

 

  لا يستطيع الإنسان الاجتماعي أن يمشي عارياً في اجتماعيته، من هنا تبدو الأخلاق رداءاٌ اجتماعياً ينسج بحسب ظروف اجتماعية شتى. كون العقل المعرفي التلقيني حالة انبثاق من وتراكم للبنى الاجتماعية الأبوية ، بالمعنى الذي طرحه هشام شرابي وآخرون، فهو ينسخ المنظومة الأخلاقية الأبوية لداخل المجال المعرفي الذي يعمل فيه وبأغلب الأحيان يكونّه . فمن يطيع الأب فهو جيد أخلاقياً  ويستحق الثواب، ومن يعصيه فهو يحمل خطيئة ويجب إنزال العقاب المحدد به . والمحاضر/الأب، من موقعه المؤسساتي ، يحمل كيس من الثواب والعقاب حيث يوزعه حسب سلوك الطالب ، وعلى الأغلب السلوك الذي لا يمت بصلة للمعرفة كما تحدد علمياً ، وإنما على أسس المنظومة الأخلاقية الأبوية . بهذه المنظومة ترتبط قضية الأخلاق بإتقان المحاكاة . أن تتقن طريقة الأستاذ في المعرفة يأتيك بدرجة أخلاقية جيدة ، وكلما كانت درجة الإتقان أقل فإن درجة أخلاقيتك تكون بحسبها .


  هذه العلاقات المتشابكة تطرح عدة أسئلة وتساؤلات حول الأخلاق والتربية وإنتاج المعرفة في سياق التعليم والتربية بفلسطين. فما هي وظيفة وموقع المدرسة/الجامعة داخل العملية الاجتماعية ككل ؟ هل هي إعادة إنتاج قيم أخلاقية سائدة ؟ هل هي تربية الجيل الجديد على الإمتثال لأخلاقيات الآباء السائدة ؟ أم أن المدرسة/الجامعة هي محاولات في ورشة عمل جماعية للإنتاج الفكري الفلسطيني للخروج من مآزق التبعية والإنهزام المتكرر بانتصار الهزيمة ؟

قد يكون التساؤل الأهم فكرياً وإنسانياً في فلسطين ، في سياق التعليم والتربية  اليوم، ما هي علاقة المنظومة الأخلاقية الأبوية السائدة ، والتي تقتل الجنين في تبرعمه لئلا تفقد السيطرة ، باستمرار تدني الإنتاج الفكري الفلسطيني والمرتبط بالضرورة بآليات الدفع المتصاعد إلى فقدان الأرض والإنسان ؟


  التربية والأخلاق وإنتاج المعرفة مجتمعة تميز ، عادة ، موقع المدرسة/الجامعة داخل المجتمعات المختلفة. فهي تميزها باجتماعها في ذات الحيز الاجتماعي ، من جهة ، وبإسلوب عمل وممارسة هذا الثالوث المدرسي/الجامعي ، من جهة أخرى . الشق الأول متعارف عليه ولكن الأهم في هذا التميز هو الشق الثاني أي أسلوب الممارسة . هل هو قبول ونسخ ؟ أم هو شك وتساؤل ؟ هل هو الإمتثال والتبعية للأقوى ؟ أم هو النفي والبحث عن العدالة الإنسانية معرفيا ً ؟ هل هو إعادة إنتاج لذوات الوسط الصامت ؟ أم أنه بحث مستمر ودؤوب عن الذات المبدعة الخلاقة والتي لا يمكن حشرها في أخلاقيات أبوية بائدة بالضرورة ؟


  مما لا شك فيه أن ما يميز الجامعات والمدارس الفلسطينية اليوم هو هيمنة وظيفة الأخلاق بتجليها الأبوي على الوظائف الأخرى. إذ يتم بلورة وصياغة الوظائف التربوية والمعرفية على صورة بنية الأبوي المهيمنة . هذا يشير إلى مأزق أساسي لدى السلطة التي تخاف ، في صراعها على البقاء كسلطة ، من ميزة أساسية في المعرفة وأخرى في التربية ومنطق عملهما . فإنتاج المعرفة ، كجزء من تيارات المجتمع المتدفقة ، لا يعرف الحد الضابط المسقط عليه من خارجه . أما التربية فهي ، بالأساس ، تحضير الجيل القادم ليمسك زمام أمور المجتمع . لا يعقل، من النواحي الإنسانية والتاريخية، أن ننتج صورة طبق الأصل من أنفسنا في الجيل القادم ونقول هذه تربية. فموضوعياً هذا غير ممكن وإنسانياً هذه مؤشر على فاشية الأنا المنهزمة تاريخياً والتي تريد إعطاء نفسها ، من خلال الجيل القادم ، فرصة أخرى لإثبات الذات .


  في التاريخ شيء من اللآرحمة ينقذ، أو على الأقل يبعث على الأمل بذلك . هذه الأسئلة والتساؤلات حول آليات عمل العقل التلقيني وموقعه في المجتمع الأبوي عامة ومؤسساته التربوية في فلسطين خاصة ، تبدو أكثر حدة وإلحاحية منذ عقد من الزمن . شهدت السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين تحولات أساسية لعدة مفاهيم وممارسات في إنتاج وتخزين المعرفة وكذلك في وسائل توزيعها واستهلاكها ، وهذه التحولات في تدفقها تشير إلى مرحلة إنتقالية ليست ثابتة بل على العكس أهم ما يميزها سرعة إيقاع التحولات والتغييرات في بنية الأدوات التي تنتج وتخزن وتوزع المعرفة . وهذه التحولات الممكننة تغزو أرجاء العالم من عدة جهات وتخلق تفاعلات حضارية وإنسانية لم تكن ممكنة من قبل . الأبعاد السياسية والإقتصادية المباشرة لهذه التحولات تم تمحيصها ونقدها في إطار الأبحاث التي تتمحور حول العولمة وهي كثيرة بحيث لا نجد مفكرا أو باحثا في العالم العربي اليوم لم يدل بدلوه في هذا المجال . من جهة أخرى ، نرى أن قلة تطرقوا إلى الإنعكاسات الثقافية لهذه التحولات وغالباً ما تكون هذه المعالجات تميل إلى النزعة الوصفية المبطنة بأخلاقيات الأنا الأحسن والآخر الهابط أخلاقياً . من المهم التذكير هنا أن ثقافات الشعوب والأقوام المختلفة تفاعلت وتثاقفت على مر العصور بأشكال مختلفة وبكثافات تتصاعد أو تقل بحسب تطور وسائل الإتصال والشروط التاريخية التي تحكم استخدامها . ونرى أن في كل عصر هنالك نمط ما سائد يلون عمليات التثاقف بلونه الخاص . فمثلاً نجد سمير أمين يتكلم عن تجارة القوافل للمدى البعيد كشكل إنتاج مادي وبنفس الوقت كنمط مكون للثقافة العربية من خلال حركة الناس بهذه القوافل .  والسؤال الذي يطرح نفسه هو حول نمط التثاقف الأساسي الذي بدأ يسود في هذا العصر الذي يتميز بأدوات إنتاجية للمعرفة والثقافة لا تعترف بالحتمية  التي تقول أن على الثقافة أن ترتبط بمكان وزمان محددين كما نادت وأدلجت أفكار دولة القومية؟ الملاحظ من التفاعلات الثقافية في المجالات المختلفة في العقد الأخير من القرن العشرين هو انتشار مفاهيم وديناميكيات التهجين من خلال التقنيات الألكترونية الحديثة في عملية إنتاج وتوزيع واستهلاك المعرفة والثقافة عامة . فإذا كان التلقين مبنياً على مفاهيم الخازن/المخزون السلطوية فإن التهجين يكسر هذه المفاهيم ويخلق تحديات عدة يبدو من الوهلة الأولى أنها ستؤدي بالضرورة إلى زوال العقل التلقيني وموضعته في متحف التاريخ .

 

العقل التلقيني

 

ما هو التهجين ؟

  تطور مفهوم التهجين، كأداة تحليل وكنمط تثاقف ، في العلوم الإنسانية كمحاولة لرصد عمليات العولمة على المستوى الثقافي من جهة ، وكفعل نقدي ينفي مفهوم الأصل في الحداثة الغربية ونظرياتها العلمية ، من جهة أخرى . فهو يعني في مستوياته المختلفة أن الظواهر الثقافية هي تفاعلات وتراكمات من روافد حضارية عدة ليست حصراً على فترة زمنية محددة أو بقعة مكانية ما .  وذلك بعكس ما حاولت إيديولوجيا دولة القومية في فترة الحداثة الأوروبية الإدعاء به من أن لكل قوم ثقافة خاصة به تدل على أصله . فلا أصل هنالك ، حسب التهجين ، وإنما طبقات من المعاني والأشكال تنتقل من ثقافة لأخرى وتتفاعل معها بحسب ظرف تاريخي ما ، حرب، سلم تجارة، هجرة، زواج، سفر للدراسة وما إلى ذلك . إلتقاء هذه الروافد في زمان ومكان محددين يصيغ المعاني وأشكال تجلياتها في ظواهر ثقافية يمارسها الناس عامة . وعليه فإن التهجين هو حركة دائمة وحيوية بها اختلاط  ، تعارف ، تبادل ، صراع وتعدد . فأن ترى في شوارع رام الله مجموعات من الشباب يسلكون ويتصرفون ويلبسون ملابس فرق موسيقة الهب هوب الأفرو أمريكية في سياق فلسطيني فعال ، أي حركة الواقع المعاشة والملموسة ، فهذا دال على هذه الحركة من التهجين .  مثال آخر على هذه الحركة الثقافية هو المشهد المعماري الفلسطيني حيث نرى مفاهيم وأشكال معمارية مختلفة تتداخل وتتفاعل بحسب ، على ما يبدو ، مكان وزمان دراسة المصمم وتاريخ ثقافة الممول .  نرى عمارة واجهتها زجاج تذكر بالأسلوب الأمريكي الحديث حيث يتداخل الحجر والزجاج ليعطي نسيجاً ثقافياً من طبقات وخيوط مختلفة . هل هذا جيد أم سيء،  خطأ أم صواب ؟ لا يكمن هنا ، على المستوى الأخلاقي ، التساؤل . هنالك حركة شبه موضوعية نوعية للثقافة. علينا محاولة رصدها وتعرية أبعادها المختلفة .


  من العرض السريع لمفهوم التهجين يبدو وكأنه غير مترابط مع وخارج العمليات الإقتصادية والاجتماعية التي تمسك برقاب الشعوب عامة وطبقاتها المستَغَلة خاصة . إن سيادة هذا النمط في حركة التثاقف في هذا العصر يدل، في التحليل النهائي، على طبيعة أشكال التشكيلة الاجتماعية الإقتصادية السائدة. والسؤال هو كيف تم صعود التهجين لهذه المرتبة من السيادة ؟


  لاحظ الكثير من الباحثين والباحثات التحولات الأساسية في حركة رأس المال، وما يرافقها من تغييرات في حركة البضائع والناس، منذ أواسط العقد السابع في القرن العشرين. المميز الأساسي لهذه الحركة هو حسم الصراع بين الحدود السياسية التي كانت تكبل حركة رأس المال في العهد الذهبي لدولة القومية والمؤسسات الإنتاجية التي تملك رأس المال لصالح هذه الأخيرة. وبالتالي بدأت هذه المؤسسات تسيطر على الأسواق العالمية والمحلية وتربطها بشكل أكثر عضوية من قبل. هذا التطور في العلاقات أدى إلى الحاجة الملحة لتوحيد الإختلافات الثقافية التي تكّون شيفرة التحكم بسلوك الفرد المستهلك. هذه المؤسسات الإنتاجية ، والتي تتمركز في أيدي الأورو أمريكيين ، وجدت في نمط السوق الاستهلاكية والإنتاج الجماهيري نموذجا جاهزا للتطبيق ، بعد نجاحه ، على الأقل بمنظورها، في المجتمعات الصناعية الغربية . هكذا بدأت بكثافة وبدموية لا تقل عن الحروب العسكرية شراسة، عملية توحيد الذوق الإنساني العام للاستهلاك . في مقابل هذه المحاولات للهيمنة كانت هنالك ردود فعل وتفاعلات مختلفة لدى ثقافات المجتمعات البشرية المختلفة. فمن جهة ، لم يعد بالإمكان التقوقع حول الذات ، ومن الجهة الأخرى بدأت حركات مقاومة ورفض للنموذج المفروض بالقوة على هذه الشعوب . هذه العمليات الاجتماعية الإقتصادية سهلت وسارعت من صعود نجم التهجين ولكن ليس بالضرورة كما أراد له أصحاب وسائل الإنتاج المنتصرين بمعركتهم مع الحدود السياسية التقليدية . إذ أن الإنسان في الهند أو في البرازيل أو الجزائر أو فلسطين يتفاعل ، مستقبِلاً أم رافضاً ، مع هذه المحاولات للسيطرة بوسائل ومهارات شتى من ثقافته الآنية والموروثة . فمن هنا أصبح التهجين تعدد وتعارف وصراع واضمحلال أيدولوجيا الأصل الطاهر والمطلق للجماعات البشرية المختلفة .


تحالف التلقين

 

  أين يقف التلقين في هذا المسار من التهجين الملقِّح ؟ كيف تتفاعل هذه النوعيات البنيوية المتناقضة بالضرورة ؟ هل ستتحول علاقات التلقين والإستظهار في التربية وإنتاج المعرفة بعد أن باتت جزءا في كل ينفيها ؟


لنعد إلى الأستاذ، ذو العقل التلقيني، الذي يقف أمام طلبته. فهو لا زال في موقعه السلطوي المؤسساتي ولكن المعرفة لم تعد حصراً على ما في جعبته من مخزون ، ولم تعد أخلاقيات الأب المهزوم تنتج الذنب ومن ثم الخنوع لدى الابن/البنت . فهذا الذي بدأ يرى، يقرأ يسمع، يشم،ويلمس من خلال وسائل الإتصال الجماهيرية والإلكترونية والسفر والترحال والإختلاط عامة، عن إمكانيات أخرى، كانت لغاية عهد غير بعيد مغيبة ومطمورة ، يقف أمام إختيارات عدة، العقل التلقيني إحداها كإرث ، كماضي محدود الآفاق والجاذبية. ولكن هذه ليست القصة بكاملها ، إذ أن أصحاب التلقين وفي بحثهم على ما يدعم موقعهم السلطوي المؤسساتي، بعد خلخته، يبحثون عن تحالفات جديدة قديمة. ويجدون في طبعة التهجين الإستعمارية ذلك التحالف .


  التهجين، في طبعته وطبيعته الغازية ، يفتح إمكانيات سلطوية محلياً وتبعية عالمياً لأصحاب العقل التلقيني من خلال التمويل الذي يدعم صناعة الأبحاث المطلوبة، بحسب أجندة المركز الغربي ، ويضخ الحياة في المؤسسات التربوية المحلية الآيلة للسقوط أصلاً. هنا يتجلى التقاطع العلني بين التلقين والتبعية السياسية.


  هنالك عدة أبحاث تمت حول مميزات وسلوكيات الشخصية الفاشية ، كمصدر للعقل التلقيني، أغلبها بدأ بعد الدراسة التي قام بها بعض من أعضاء مدرسة فرانكفورت الألمانية . أحد أهم هذه المميزات أن الشخصية الفاشية تقمع وتضطهد من هو أدنى منها في التراتبية ، المؤسساتية أو غيرها ، وبنفس الوقت تطيع وتخنع لمن هو أعلى منها من غير مساءلة أو تساؤل حول الأوامر المتلقاة. وفي حالة التهجين الغازي من الغرب المتقاطع مع التلقيني في لحظة اهتزازه ، يرى هذا الأخير الغرب كقمة الحضارة والتقدم ومن ثم الموقع العلوي لهذا الغرب بعلاقاته مع الشرق الدوني . من هنا فإن كتابة بحث عن معدل خصوبة المرأة في فلسطين، أو وسائل تفريغ العنف عند الطفل الفلسطيني ، أو أنسب الطرق لدمقرطة الفلسطيني ، أي أنمذجته بحسب النموذج الأورو أمريكي ولكن بحالة تبعية مستمرة وليس كحالة انبثاق ذاتية ،  على سبيل المثال، هي تجليات لعقل تلقيني يتحالف مع الأقوى، بنظره على الأقل ، ليستقوي محلياٌ .


  الاتجاهان الممكنان في المستقبل  للجيل القادم بأن يتحرر وللتلقيني بأن يتخندق ، لالتقاء التلقيني بالتهجيني يعكسان نوعية الصراعات التي تكون كل منهما . وهذا الإلتقاء بين المحلي والعالمي ، بخلقه أزمة للمستويين ، يضع أمامنا ، كفلسطينيين/ات يعملون في إنتاج المعرفة وبالتربية ، تحديات ملحة وآنية لا نستطيع عدم رؤيتها مهما دفنا رؤوسنا عميقاً بالتراب ، وحتى لو أسميناه تراب الوطن . التحدي الأساسي هو بكيفية تسهيل صعود جيل جديد ، جيل المرحلة التهجينية ، مسلح بإمكانيات تساعده على التحرر ، بكل المستويات التي يراها هو ، وتبعد عنه شبح الهزيمة المتكررة منذ عدة عقود . من هنا نرى أن التربية هي فتح إمكانيات القراءة المتعددة للمعرفة وللأخلاق أيضاً ، بحيث يسهل المربي إنبناء عملية الشك والتساؤل المعرفي للجيل القادم المختلف بحتميته كزمن آخر ، كفعل آخر ، كأحلام أوسع وأشمل لإنسان حفيد جد مهزوم يبحث عن حقيقته في عدالة إنسانية منشودة وممكنة .

 

تجارب تربوية نقدية

 

  هذه الرؤيا العامة هي نتيجة العودة إلى الواقع الاجتماعي الملموس بمستوياته المتعددة والمتصارعة بالضرورة كما حاولت تبيان ذلك فيما سبق. السؤال الذي يطرح هنا، في هذا المؤتمر، هو حول محاولة توضيح مفاهيم محددة لإطار تربوي ينهض ، نقدياً ، من داخل المجتمع الفلسطيني وتجربته المعاصرة . فكما أن النقد يكون بالغوص في حيثيات وتفاصيل المجتمع فإن تطوير المفاهيم التربوية بالضرورة عليه أن يبدأ، على الأقل، من هذه التفاصيل والحيثيات. في تاريخ التجارب التربوية النقدية المعاصرة هنالك عدة حالات مميزة حاولت هذا المنحى. ثلاث من هذه التجارب تبدو لي ذات صلة مباشرة وسأحاول بناءاً عليها وبتقاطعها مع نقد العقل التلقيني في زمن التهجين بناء بعض المفاهيم الأساسية للممارسات التربوية الناهضة. التجربة الأولى: هي مداخلات فيجوتسكي (1978) حول التربية كممارسة اجتماعية من خلال تجربته في علم النفس الذهني بالإتحاد السوفياتي في 1920 و 1930 .


  التجربة الثانية: هي مداخلات باولو فريري (1970) حول التربية الحوارية المستقاة من تجربته مع الفلاحين في أمريكا اللاتينية . أما التجربة الثالثة فهي مداخلات حسين البرغوثي (2003) حول الرشاقة الذهنية في التعليم العالي في فلسطين ، خصوصاً في جامعة بير زيت . ليس هنا المكان للخوض بتفاصيل هذه التجارب الميدانية والنظرية وإنما المحاولة هي بتركيم وتوضيح المفاهيم التربوية التي تبرعم من نقد العقل التلقيني . وهذه المفاهيم هي بمستويين على الأقل.


الأول: هو مواقع التربية داخل العمليات التاريخية والاجتماعية ويمكن تسميته بالحيز التربوي الاجتماعي العام. هذا المستوى يحتم علينا الاعتماد على المداخلات النظرية النقدية الأوروبية ، الماركسية منها بالأخص ، ومزاوجتها مع الفكر العربي المعاصر والنقد الذي تطور من خلال الدراسات الما بعد كولونيالية .

الثاني : هو تلك المواقع المفصلية داخل العمليات التربوية بذاتها ويمكن أن نصطلح عليها الحيز التربوي الداخلي أو الخاص . في هذا المستوى سنعتمد فيجوتسكي وفريري والبرغوثي مباشرة .  لنطرح أولاً بعض المفاهيم التي تكون الحيز التربوي العام :


المعرفة هي حالة اجتماعية منبثقة ومتدفقة، أي منتجة، كجزء من العمليات الاجتماعية عامة. كل محاولة لتصنيمها ، كمثل العقل التلقيني ، هي جزء من الصراعات التي تحاول من خلالها أقطاب هذه الصراعات السيطرة على المجتمع من خلال الحسم الأيدولوجي .


التربية ، في علاقاتها مع المعرفة ، هي مجمل النشاطات والفعاليات والممارسات الملموسة والرمزية ، المؤسساتية والفردية ، التي تهدف لإعادة إنتاج وسائل إنتاج المعرفة في مجتمع ما .  بهذا فالتربية هي مساحة تمهيد لسوق العمل/الاستهلاك .


دولة القومية الأوروبية طورت ، ومن ثم صنّمت ، أجهزة تربوية خاصة بها من خلال تفاصيل صراعها مع هيمنة الكنيسة على الإنتاج المعرفي . المجتمعات المستعمرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والجنوبية تشارك الأوروبيين بالمستوى الإنساني العام من ناحية أن كل مجتمع ينتج ويوزع على أفراده مجمل معارفه المشروطة تاريخياً . وتختلف هذه الأخيرة عن التجربة الأوروبية بباقي التفاصيل التاريخية العينية . مركزية النص والفعاليات والممارسات التفسيرية حوله في الحضارة العربية الإسلامية تستلزم قراءة جديدة لهذا التاريخ لفهم مكونات العقل التلقيني السلطوي في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة .


  مما لاشك فيه أن هذه المركزية للنص تفاعلت مع النص الأوروبي الحديث. وعليه فهذه المركزية وتجليها كعقل تلقيني في الآن المعاصر هو تجلي علائقي بجوهره.


  من هنا تصبح مفاهيم النقد المزدوج التي طرحها عبد الكبير الخطيبي أساسية لتجاوز سطوة النص المركزي السلفي ، أي تحرير المعنى، المنبثق والمتدفق ، العربي الإسلامي ، من سطوة المتأسلمين السياسيين ، من جهة، ومن جهة ثانية ، تحرير المعنى العلماني من سطوة الأوروبي الأمريكي المستعمر بطبعاته المختلفة آخرها وليس أخيرها بعض المنظمات غير الحكومية كما نشاهده هنا في بلدنا .


  هذا بالنسبة للمفاهيم الأساسية للحيز التربوي العام . أما مفاهيم الحيز التربوي الخاص فيجب موضعتها بالشكل والسياق الذين يعريان منطق عمل المؤسسة التربوية . التربية في المجتمعات الرأسمالية ، بينما تحضر وتعد الجيل الناشئ للانخراط في سوق العمل ، تنسخ منطق العمل المأجور ليكون منطق عملها الداخلي . فالطالب يعمل ، باذلاً طاقاته الذهنية والجسدية ، ً للحصول على الشهادة/المردود والتي من ثمة تؤهله لإعادة إنتاج نفسه ليصبح العامل المنتج داخل المصنع أو المكتب . وعليه فهو بعلاقة تبادلية رمزية ومادية مع صاحب العمل أو ممثله المعلم . من هنا حالة الاغتراب التي نراها تتجلى بـأشكال مختلفة بالمدارس والجامعات . والتحدي يكون بتحويل هذه القيم التبادلية إلى قيم استعمالية أي أنسنة المؤسسة المدرسية . واقترح المداخل والمفاهيم التالية كمنطلقات محتملة لهذا التحول أو التحويل :

  إن العلاقة بين المعلم الطالب هي علاقة تبادلية بالأساس ، أي أنها ذات اتجاهين وليست علاقة تفريغية باتجاه واحد من المعلم إلى الطالب . فبالقدر الذي "يتعلم" الطالب من المعلم هنالك عملية موازية ومعاكسة من "تعلم" المعلم من الطالب . وعليه فالعلاقة هي ندية ولكي تتجاوز علاقات القوى إلى حد معقول عليها أن تتسم بالحوارية .


  العلاقة الندية يجب أن تكون مبنية على أسس إنسانية، أي أن لكل تجربته الحياتية ولا يوجد تفاضل قيمي أو أخلاقي بين التجارب المختلفة. من هنا فاحتمال الصداقة هو قائم فعلياً بين هاتين الوظيفتين الاجتماعيتين.


  العلاقة التربوية هي جزء من مشروع مشترك بين مجموعة من فئات مجتمعية حية يهدف إلى إستشراف إمكانيات اجتماعية ، فكرية ، جمالية قد تفتح التجارب الإنسانية للمشاركين بها آفاق جديدة ومن ثم قد تؤدي للنهوض بالمجتمع .


  إن المفهوم المدرسي ، السكولاستي ، للتربية هو جزء من تجليات العقل التلقيني حيث يخاطب جانب محصور ومحدد من قدرات الإنسان الاجتماعية الفكرية والذهنية والحسية ناهيك عن المشاعر والعواطف .  لذلك على المنهاج ، التطبيق العملي للمفهوم المدرسي ، أن يكون نقطة إنطلاق وليس نهاية بأية حال من الأحوال .


  حيث أن المعرفة متدفقة باتجاهاتها المختلفة فالتعبير عنها كمنهاج ، في شكله التقليدي ، هو إشكالي بطبيعة تكوينه الذي يحصرها في مجموعة من الأفكار والقيم وطرق التفكير .  كانعكاس لطبيعة المعرفة إذاً على المنهاج أن يتطور باتجاه ورشة عمل تنطلق من نقطة ما لتصل ، مع تقاطعات حاجات واهتمامات المشاركين بها ، إلى نقاط أخرى .


  إن تنميط الخيال بقوانين الواقع ، أي واقع السوق الإستهلاكية ، لهو إختزال للتجربة الإنسانية . من هنا على المشروع التربوي المشترك أن يخلق مساحات جديدة للخيال من خلال استخدامه لمنطق اللعب play   مقارنة مع منطق أل game  التي تعبر عن قوانين الواقع .


  إن منطق اللعب يتضمن مفهوم المتعة . تقنين المتعة بشكل دقيق جدا هو جزء من عمليات السيطرة التي تمارس على الطالب . وعليه يجب شرعنة المتعة الناتجة والمرافقة للممارسة الإنسانية عامة والتربوية خاصة .

 

الخلاصة :

 

  إن البحث عن التربية المدنية بمفهومها الكلاسيكي في مجتمع لا مدني هو محاولة عبثية في أحسن أحوالها وإعاقة معرفية في السياق الفلسطيني القائم . من هنا علينا العودة إلى تفاصيل الواقع التربوي الفلسطيني . هذه العودة الفاحصة تجعلنا ندرك أن العقل التلقيني ما زال هو السائد في سماء التربية بمختلف مستوياتها . من هنا علينا فهم صيروة هذا العقل في مستجدات السياق الفلسطيني والعالمي . فالطور الأخير من الرأسمالية أنتج أنماطا جديدة من وسائل إنتاج المعرفة ومن ثم توزيعها واستهلاكها . هذه الأشكال الجديدة والتي تسمى مجتمعة بالتهجين تتناقض مع آليات التلقين . فهل يزول أو يتهمش التلقين ؟ ليس بالضرورة . إذ نراه يتحالف مع مراكز الاستعمار الجديد ليستقوي محلياً .


  من هذا التحليل للنمط السائد في التربية الفلسطينية ومن خلال مقاطعة هذا الفهم مع تجارب تربوية مختلفة علينا تطوير مفهمومنا للمنهاج بحيث يصبح نقطة الإنطلاق للبحث في الآفاق المعرفية والإنسانية التي قد تساعدنا على إنهاض المجتمع .  فالمنهاج من هذا المنظور هو ورشة عمل في حالة صيرورة مستمرة .

 

المراجع

 

البرغوثي، حسين ، 2003 . الرشاقة الذهنية . الشعراء ، 21 ، ص 200 – 203 .

بشارة ، عزمي ، 2003 . طروحات عن النهضة المعاقة . رام الله : مواطن .

الخطيبي ، عبدالكبير ، 1982 . النقد المزدوج . بيروت : دار العودة .

محمد ، زكريا ، 2002 . في قضايا الثقافة الفلسطينية . رام الله : مواطن .

سمارة ، عادل ، 2003 . مثقفون في خدمة الآخر : بيان إل (55) نموذجاً . رام الله : مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية .

Benjamin, W., 1998 [1963]. The Origin of German Tragic Drama. London: Verso.

Freire, P., 1970. The Pedagogy of the Oppressed. New York: Seabury.

Sharabi, H., 1988. Neopatriarchy: A theory of distorted change in Arab society. Oxford: Oxford University Press.

Vygotsky, L. S., 1978. Mind in Society: The development of higher Psychological processes. Cambridge, MA: Harvard University Press.

 

 

أخبار مركز المعلومات

صور

The Wall of Apartheid in Abu Dis /photo: AIC

The Wall of Apartheid in A-Ram /photo: AIC

نشرة مركز المعلومات البديلة

AIC

ممكن متابعتنا عن طريق الشبكات

twitterFacebookYoutube-icon
More YouNews
© The Alternative Information Center Contact.
Creative Commons License
website by/Gravy Studio